السبت ٦ يناير ٢٠۱۸ ساعة ۱٢:٥٩‎
Share/Save/Bookmark
إيران... كيف أحبطت مخطط الفتنة وما هي النتائج؟
إيران... كيف أحبطت مخطط الفتنة وما هي النتائج؟
 
استفاق العالم قبل أيام علي تفجّر تحركات شعبية لها طابع اقتصادي واجتماعي في البداية، ثم تحوّلت لتأخذ طابعاً سياسياً عبّرت عنه الشعارات التي رفعت وتدعو إلي توقف إيران عن: دعم المقاومة في لبنان وفلسطين ومساندة سورية في حربها ضدّ قوي الإرهاب لصالح إيران اولاً.
والمقصود من هذه الشعارات طبعاً هو تخلي إيران عن مواقفها التحرّرية المبدئية التي قامت من أجلها الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الراحل روح الله الخميني، وأصبحت في ما بعد جزءاً من الدستور. وهي مواقف ترتكز إلي قاعدة أساسية هي نصرة ودعم المستضعفين في العالم انطلاقاً من الآية الكريمة التي تقول: «ونريد أن نمنّ علي المستضعفين في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين».

وتجلّت هذه المواقف في رفع لواء نصرة ودعم قضية فلسطين ورفع راية فلسطين في سماء طهران بديلاً من راية الصهاينة التي كانت مرفوعة أيام نظام الشاه، كما تجلت في دعم المقاومة ضدّ الاحتلال الصهيوني مادياً وعسكرياً وسياسياً، إنْ كان في لبنان أو فلسطين، ثم تجلّت في الوقوف إلي جانب سورية في حربها الوطنية في مجابهة الحرب الإرهابية الكونية الاستعمارية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية…

وهي قبل كلّ ذلك وخلاله اتخذت قراراً وطنياً بالتحرّر من نظام التبعيّة للغرب الاستعماري الذي كان سائداً في عهد حكم الشاه، وبنت نظاماً متحرّراً من هذه التبعية يتمتع بالاستقلال السياسي والاقتصادي، الذي عمد منذ البداية إلي وضع استراتيجية تقوم علي بناء الدولة الإيرانية المستقلة والنهوض بإيران علي المستويات كافّة، وصولاً إلي النجاح في بناء المشروع النووي السلمي وامتلاك التقنية والمعرفة التي مكّنت إيران بعد عقود من المواجهة مع الغرب والحصار الجائر من انتزاع حقها في امتلاك هذه التقنية وأن تصبح دولة نووية، بعد أن فشل الغرب في إخضاع إيران ونزع برنامجها النووي وقدراتها الدفاعية، ودفعها إلي التخلّي عن ثوابت مواقفها في دعم قضية فلسطين والمقاومة ضدّ الاحتلال ومواجهة سياسات الهيمنة الاستعمارية في المنطقة.

ويبدو من الواضح أنّ غرفة عمليات أميركية صهيونية سعودية قد شكّلت وعملت علي إدارة شبكات التخريب والتحريض الإعلامي عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تولّت إعطاء الإرشادات والتوجيهات للجماعات التابعة لمنظمة مجاهدي خلق، وتلك المنتمية إلي نظام الشاه السابق، لمحاولة تكرار مشاهد ما سُمّي بالربيع العربي في طهران، وبما يُذكَر بالشركات الخمس التي جري إنشاؤها في بدايات الاحتجاجات في سورية سنة ٢٠١١ بتوجيه وإشراف مباشرين من رئيس الاستخبارات السعودية آنذاك بندر بن سلطان بهدف إسقاط النظام الوطني المستقلّ والداعم للمقاومة في سورية. وقد اعترفت الإدارة الأميركية بوجود تنسيق مشترك أميركي سعودي صهيوني لدعم هذه الجماعات التي ركبت موجة التحركات الشعبية لبعض الفئات الإيرانية التي تضرّرت من جراء إفلاس بعض شركات توظيف الأموال، حيث كان عشرات الآلاف من المواطنين يوظفون مدخراتهم في هذه الشركات لقاء فوائد مرتفعة، وتقوم هذه الشركات المالية بتوظيف هذه الأموال في السوق العقارية التي انتعشت في السنوات الأخيرة، لكن بعد أن وصل سوق العقار إلي حالة من الفورة وحصل جمود بفعل توقف عمليات البيع والبناء، توقفت الشركات المالية عن تسديد الفوائد، وفي الوقت نفسه عجزت عن إعادة أصول الودائع إلي أصحابها، عند هذه اللحظة كانت الشرارة التي فجّرت الأزمة حيث تحرك أصحاب الودائع مطالبين بتدخل الحكومة لاستعادة أموالهم. وكان واضحاً أن في اليوم الأول كان التحرك يطغي عليه الطابع الاقتصادي الاجتماعي، لكن في الأيام التي تلت تصاعدت التظاهرات وزادت أعداد المشاركين فيها ليصلوا حسب التقديرات إلي نحو عشرين ألف متظاهر، طغي عليها الطابع السياسي حيث سارعت جماعات نظام الشاه البائد ومنظمة «مجاهدي خلق» إلي استغلال التحرّك المطلبي والأزمة الناشئة، وتحويل التظاهرات إلي تظاهرات سياسية تحرّض ضدّ نظام الجمهورية الإسلامية والسياسات التي يتبعها وتحميلها المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي ممارسة التحريض علي الثورة والقيام بأعمال الشغب والاعتداء علي الممتلكات العامة ومراكز الشرطة في محاولة لرفع منسوب تحدّي النظام وإثارة الفوضي في البلاد، في ظلّ دخول مباشر وعلني للرئيس الأميركي دونالد ترامب والمسؤولين الصهاينة علي خط التحريض وتغذية أعمال التخريب والتمرّد لضرب الأمن والاستقرار في سياق الرهان علي تحقيق هدفهم في النيل من نظام الجمهورية الإسلامية وتكرار ما حصل في سورية وبالتالي التعويض عن الهزائم التي مُني بها المشروع الأميركي الصهيوني السعودي في سورية والعراق واليمن ولبنان. والعمل علي العودة إلي استرداد زمام المبادرة وإجهاض انتصارات محور المقاومة بضرب أحد أركانه الأساسية، بعد الفشل في ضرب وإسقاط عموده الفقري ممثلاً بالدولة الوطنية السورية.

غير أنّ هذا الرهان في محاولة النيل من إيران من داخلها، بعد أن فشلت محاولات ضربها من الخارج إنْ كان عبر الحصار أو عبر التهديد بشنّ الحرب عليها والامتناع عن ذلك خوفاً من نتائجها المدمّرة علي أطراف العدوان، فشل هو أيضاً في تحقيق أهدافه، وذلك بفضل حكمة ووعي القيادة الإيرانية وقدرتها علي احتواء الأزمة والتعامل مع التحرك الشعبي المطلبي وأحداث التخريب والشغب عبر رزمة من الإجراءات السريعة التي أدّت إلي إحباط المخطط التآمري ووأد الفتنة تمثلت هذه الإجراءات بالآتي:

ـ اتخاذ قرار سريع بدفع ودائع المواطنين لدي شركات الأموال التي عجزت عن الدفع، وقدّرت بـ ثلاثة مليارات دولار لـ ١٧٠ ألف مواطن، ما أدّي إلي تلبية مطالبهم وتوقفهم عن التظاهر في الشارع، وبالتالي عزل الجماعات المعادية للنظام أو المرتبطة بالخارج وسحب الورقة التي استغلّتها وركبت موجتها.

ـ إظهار ما كانت تقوم به جماعات الشاه ومجاهدي خلق (المنافقين) من عمليات تخريب واعتداء علي المؤسسات العامة، ما خلق رأياً عاماً واسعاً ضدّها سهّل علي السلطات الأمنية اعتقال عناصر التخريب، بعد أن كانت قد تمكّنت من تصويرهم وهم يقومون بأعمال التخريب والشغب.

هذه الإجراءات ساعد عليها اتحاد جميع الأطراف السياسية المكوّنة للسلطات في إيران مما حال دون استفادة الجماعات المعادية في الداخل والخارج من أيّ رهان علي حدوث انقسام في داخل السلطة، بشأن كيفية التعامل مع الأزمة والأحداث التي حصلت.

لا شك في أنّ إحباط الفتنة والمخطط الأميركي الصهيوني السعودي، سوف يؤدّي إلي تحقيق جملة من النتائج المهمة أبرزها:

ـ الإضاءة علي الثغرات التي تسلّل منها الأعداء والعمل علي سدّها وبالتالي تحصين الوضع الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي والسياسي والأمني أكثر مما كان عليه قبل الأحداث.

ـ إضعاف الجماعات اليمينية المعارضة في الداخل التي لها مصلحة في تغيير نظام الحكم لصالح إقامة نظام يحقق مصالحها التي تتماهي مع المصالح الغربية إنْ كان اقتصادياً أو سياسياً، وهو ما عبّرت عنه الشعارات التي رفعوها في التظاهرات.

ـ تعزيز شعبية نظام الجمهورية الإسلامية وسياساتها المستقلة والتحرّرية المتبعة منذ تأسيسها والتي أسفرت عن تحقيق التقدّم والتطوّر الاقتصادي الزراعي والصناعي والتقني ونقل إيران من دولة تابعة متخلّفة أيام الشاه، إلي دولة متقدّمة لها مكانتها الإقليمية والدولية، علي عكس ما تدّعيه الجماعات اليمينية.

*بقلم: حسن حردان (جريدة البناء اللبنانية)
رمز الوثيقة: 11113
المصدر : IranTelex